الياس شوفاني

200

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

التفاوض على افتداء بوهيمند ، وبعد أن تمّ ذلك ، رفض تسليم أنطاكيا للإمبراطور . ثم ألحق به السلاجقة هزيمة منكرة في حرّان سنة 1104 م ، إذ خسر معظم الأراضي التي احتلها في سورية . وفي إثر الهزيمة تحقق بوهيمند من عبثية محاولاته إقامة مملكة نورمانية قوية في الشرق ، وهو بين مطرقة السلاجقة وسندان بيزنطة . فعاد إلى إيطاليا ليجمع جيشا يحتل به القسطنطينية ، وقوبل بحماسة في إيطاليا ، لكن الحملة فشلت ، وهزم بوهيمند ، وأجبر على قسم الولاء للإمبراطور . لكنه عاد ونقض القسم ، ثم مات ، كما مات الإمبراطور ألكسيوس ، وانفتح الصراع بين الطامعين بالميراث . في المقابل كانت مملكة أورشليم اللاتينية تتوسع في محيطها ، وفي الاتجاهات جميعها . وقد حرك ذلك ردات فعل ، ولّدت حالة من النهوض في الموصل ، شجع عليها عدد من الانتصارات التي حققها حكام المقاطعات ضد إمارات الشمال الفرنجية ، وكذلك الصراع بين هذه الإمارات وبيزنطة . ففي الموصل بدأت حركة ( 1113 م ) لتوحيد الإمارات الإسلامية في العراق وسورية ، من أجل عمل مشترك ضد الفرنجة . ووصلت هذه الحركة ذروتها أيام عماد الدين زنكي ( أتابك عساكر الموصل ) ، الذي برز ( 1127 - 1146 م ) واستطاع فرض سلطته على حكام المقاطعات في العراق وسورية ، ما عدا دمشق ، التي تشبث حاكمها باستقلاله ، فظل موضوعيا في الخندق المعادي لعماد الدين ، وبالتالي إلى جانب الصليبيين . وبعمله هذا فتح عماد الدين زنكي مرحلة جديدة من الاشتباك مع الفرنجة ، امتدت إلى أيام ابنه نور الدين زنكي ، ومن بعده صلاح الدين الأيوبي وصولا إلى المماليك ، الذين على أيديهم تمت تصفية مملكة أورشليم اللاتينية في مدينة عكا ( سان جان داكر ) . وكانت النتيجة الأولى والمباشرة لتوحيد المقاطعات السلجوقية بقيادة عماد الدين زنكي تصفية إمارة إديسا الصليبية ( 1144 م ) . وبذلك انكشفت الحدود الشمالية - الشرقية للإمارتين الأخريين - أنطاكيا وطرابلس - بينما ظلت دمشق تقف حاجزا بين زنكي في الموصل ، ومملكة أورشليم اللاتينية . وحتى في ظل هذه الأوضاع دأب الفرنجة على التحرش بحاكم دمشق ، والعمل على انتزاع بعض الأراضي منه ، وإقامة إمارات جديدة في بصرى وصلخد ( 1147 م ) . ثم ارتكبوا الخطأ القاتل في الحملة الثانية ، إذ هاجموا دمشق ، فدفعوها إلى أحضان نور الدين زنكي ، الذي دخلها سنة 1154 م . فأصبح على تماس مع مملكة أورشليم ، بينما هو يستند إلى دولة قوية موحدة في سورية والعراق ، ما عدا الشريط الساحلي وفلسطين . وبذلك دخل الصراع مرحلة جديدة ، قادها نور الدين زنكي بنشاط ، وراح يعد لتصفية الوجود الصليبي في الشرق .